الخطيب الشربيني

244

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وما قاله معاذ : تعلم العلم فإنّ تعلمه لك حسنة ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة . وما قاله علي : العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق . وما قاله ابن عمر : مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة . وما قاله الشافعي من أن : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة وقال : ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم ، وقال : من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم فإنه يحتاج إليه في كل منهما . وقد ذكرت في أوّل شرح المنهاج من الأحاديث ومن أقوال السلف ما يسرّ الناظر الراغب في الخير وفيما ذكرته هنا كفاية لأولي الأبصار . وَاللَّهُ أي : والحال أنّ المحيط بكل شيء علما وقدرة بِما تَعْمَلُونَ أي : حال الأمر وغيره خَبِيرٌ أي : عالم بظاهره وباطنه فإن كان العلم مزينا بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة على حسبه ، وإن كان على غير ذلك فكذلك . واختلف في سبب نزول قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي : ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ أي : أردتم مناجاة الذي لا أكمل منه في الرسالة الآية ، فقال ابن عباس : « إنّ المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حتى شقوا عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية فكف كثير من الناس » « 1 » . وقال الحسن : « إنّ قوما من المسلمين كانوا يستخلون بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم يناجونه ، فظنّ بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى فشق عليهم ذلك فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه » « 2 » . وقال زيد بن أسلم « إنّ المنافقين واليهود كانوا يناجون النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ويقولون : إنه أذن يسمع كل ما قيل له ، وكان لا يمنع أحدا من مناجاته فكان ذلك يشق على المسلمين لأنّ الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم يناجون أنّ جموعا اجتمعت للقتال فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ أي : أردتم مناجاته فَقَدِّمُوا أي : بسبب هذه الإرادة وقوله تعالى : بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ استعارة ممن له يدان والمعنى : قبل نجواكم التي هي سرّكم الذي تريدون أن ترفعوه صَدَقَةً لقول عمر من أفضل ما أوتيت العرب الشعر يقدّمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم يريد قبل حاجته ، والصدقة تكون لكم برهانا على إخلاصكم كما ورد أنّ الصدقة برهان فهي مصدّقة لكم في دعوى الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى اللّه عليه وسلم وبكل ما جاء به عن الله تعالى . تنبيه : ظاهر الآية يدل على أنّ تقديم الصدقة كان واجبا لأنّ الأمر للوجوب ويؤكد ذلك قوله تعالى بعده : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقيل : كان مندوبا لقوله تعالى : ذلِكَ أي : التصدّق خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ أي : لأنفسكم من الريبة وحب المال وهذا إنما يستعمل في التطوّع لا في الواجب ولأنه لو كان واجبا لما أزيل وجوبه والكلام متصل به وهو قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا الآية .

--> ( 1 ) انظر القرطبي في تفسيره 17 / 301 . ( 2 ) انظر الحاشية السابقة .